محمد العامري الغزي
310
المطالع البدرية في المنازل الرومية
فأولها وأوسطها عناء * بلا فصل وآخرها فناء ومع هذا فالغبطة بها شديدة ، والآمال فيها مع العلم بأنها دار البلى جديدة ، حتّى كان حقيقة ما يعلم من استحالتها ارتياب ، والرحلة عنها إليها إياب ، لقد حقّ أن يرفضها البصير ، ويستعدّ لما إليه يصير . ونسأل الله في هدايتنا « 1 » فنعم المولى ونعم النصير ، ألهمنا الله طريق إرشادنا ، وأعاننا على الاستعداد لمعادنا ، وقضى في العاجل والآجل بإسعادنا ، إنّه على كل شيء « 2 » قدير ، وبالإجابة جدير . فأقمنا بتلك المدينة ذلك النهار بتمامه ، ثم ليلة الأربعاء إلى أن كشف القمر عن لثامه ، ومدّ نوره على خراب ذلك المكان وأكامه ، وبلغ من اعتلائه أقصى غاية مرامه ، فأخذنا في التّرحال ، وشدّدنا الأحمال على تلك الجمال ، فبلغ السير وقت [ 175 أ ] الضحى وانتهى إلى قرية حسية « 3 » وقيلنا بها . ثمّ سرنا قاصدين بلدة قارا « 4 » ، وقطعنا فيافي وقفارا ، وبراري وصحارى ، إلى أن مال النهار كل الميل ، وأقبل الليل إقبال السيل ، ومدّ خيامه وسرادقه ، وزين بالزهر مغاربه ومشارقه ، فوصلنا حينئذ تلك المدينة ، وحصل بها الاستقرار والطمأنينة ، وهذه المدينة مدينة قديمة ( البنيان ، واسعة الأركان ) « 5 » بها آثار مقيمة ، وبعض عمائر عظيمة . سامية الأرجاء ، واسعة الفناء ، موضوعة على نسبة حسنة في الاعتدال والاستواء ، رائقة الموضوع ، بديعة المجموع ، كوكبها يقظان ، وجوها عريان ، وروضها فريج ، ونسيمها أريج ، ما شئت من منظر عجيب ، وجانب رحيب ، وبسيط خصيب ، يزهو بالحسن المحض ، والنور
--> ( 1 ) وردت في ( م ) و ( ع ) : « هدايته » . ( 2 ) وردت في ( ع ) : « على ما يشاء » . ( 3 ) بلدة تقع جنوب حمص وتبعد عنها نحو 40 كم تقريبا . ( 4 ) ويقال قارة ، وهي المنزل الأول من حمص للقاصد إلى دمشق ، وتبعد عن دمشق مسافة 95 كم تقريبا . ( معجم البلدان 4 : 295 ، أخبار الدول 3 : 444 ) . ( 5 ) ما بين القوسين ساقط من ( م ) و ( ع ) .